يوسف ورداني يكتب | صديقي السياسي الشاب .. لا تفعل!

ادارة الموقع

0

السياسة هي الاهتمام بالشأن العام، هي فن الممكن والتوفيق بين البدائل المختلفة في إطار ديمقراطي وشفاف. يسعى إليها كثير من شبابنا في مراحل حياتهم المبكرة، ويتمنون أن يجدوا فيها الطريق السريع لكل أحلامهم وطموحاتهم، والدواء الشافي لكل مشاكلهم واحتياجات مجتمعاتهم. لكن في بداية رحلة العمل العام، يقع كثير من شباب السياسيين في أمور قد تجعلهم ينحرفون عن بلوغ مقاصدهم في تحقيق الصالح العام، وتلبية مصالح المواطنين.

من أهم هذه الأمور تضييع الوقت في أنشطة لا تسهم في البناء التراكمي للشخصية أو تضيف إلى السيرة الذاتية. ويدخل في ذلك الانشغال في أكثر من نشاط قد لا يكون بينهم رابط ناظم أو صلة منطقية، أى أن تنفذ نشاطًا في الشرق وأخر في الغرب ولا يجمعهما سوى الحماس والرغبة في التواجد. ويتضمن ذلك أيضًا الانشغال في حكايات ونميمة سياسية لا طائل منها مع الاعتراف بأهمية الإلمام بها ولكن دون الانخراط الكامل فيها.

كذلك عدم التوازن في تقدير سرعة التحرك. أحيانًا، ومن فرط الحماس قد تقوم بتبني مبادرات وتنفيذ أعمال مهمة، ولكنها قد لا تكون متناسبة مع السياق العام التي تعيش فيه، والذي قد يفرض ضغوطًا معينة قد لا تعرفها بحكم نقص الخبرة أو غياب دور المرشد الأمين في حياتك. تسرعك قد يكلفك الكثير، ولكن لا يعني ذلك التوقف عن المخاطرة فكلما زادت المخاطرة زاد العائد، ولكن يجب أن يتم هذا بحساب وميزان دقيق. النصيحة هنا “متكونش ديب فيخافوا منك أو نعامة فيأكلوك”.

يشمل ذلك أيضًا عدم معرفة الفروق الدقيقة بين الانتشار والنفوذ. كثير من المقبلين على ممارسة العمل السياسي يتخيلون أن انتشارهم وظهورهم في كافة التجمعات -المهمة وغير المهمة -سوف يساعدهم على تحقيق الأهداف التي يسعون إليها. ولكن ذلك ليس المعيار الوحيد، فحين تنشر نفسك فإن تأثيرك سوف يقل. ابني علاقات قوية مع صناع ومتخذي القرار والمؤثرين من حولهم، فقد تساعدك علاقة واحدة حقيقية مع هؤلاء على الوصول للهدف بسرعة أكبر. ساعتها سوف تفيدك قاعدة الانتشار التي عملت وناضلت من أجل بنائها، واستخدمت فيها كافة المعارف والمهارات التي تعلمتها.

يذكر أحد الوزراء السابقين، وممن كان لهم بصمة مميزة في عملهم السياسي والحزبي، أنه قابل الرئيس الأسبق مبارك عددًا من المرات كان أولها في عام 1982، وأن الرئيس أشار إلى اسمه كثيرًا في مناسبات عامة، ولكن ذلك لم يأت به وزيرًا إلا بعد مرور أكثر من ربع قرن، فعلى مدار أكثر من سبعة وعشرين سنة لم يتحمس لترشيحه أحدًا من النخبة السياسية المحيطة مع أن كلهم “أصدقاء وأحباء” لما قد يؤديه ذلك من “وجع دماغ” لديهم بحكم فرط نشاطه، وانتشاره الزائد عن الحد بالتوازي مع كفاءة عمله وتميزه.

على السياسي الناجح البعد عن الحب والكره. العمل السياسي والتنفيذي مبني على علاقات المصلحة والمنفعة بامتياز. فنافس من أجل أن تحظى بعمل تضيف فيه ويعلي من دورك ونفوذك، ويحقق لك الضمان المالي المناسب خاصة إذا كنت من الطبقات الكادحة أو الفقيرة. وحاول بقدر الإمكان ألا تسقط قيمك ومبادئك الخاصة على مواقف العمل السياسي، فالسياسة متغيرة والقيم ثابتة، وليس بالضرورة أن يختلطان.

كذلك عدم التغول على رفقاء الطريق من الزملاء والأصدقاء. فأحيانًا يكون لدينا معشر البشر شعور فطري نحو الحديث والانفراد بالرأى و”أنك تأكل القعدة لحسابك”، بل ومحاولة التقرب من الشخصيات العامة والمؤثرة على حساب المحيطين بنا. إعطاء من حولك مساحة للتحرك، وإشراكهم في أنشطتك يجعلهم يشعرون بأن هناك “جيل يتحرك مع بعضه” حتى مع اختلاف الأولويات وتفاوت مستوىات الأخلاق بينهم. وكن على ثقة أن أحدًا لن يستطيع أن يأخذ منك شيئًا مقدرًا لك، أو يصيبك بضرر غير مكتوب في صحيفتك.

تحاشى أن تتقرب من أناس لا يخدمون أو يقدمون أيدي المساعدة، ولا يتورعون عن استغلالك في العمل لصالحهم ومساعدتهم دون أى عائد معنوي أو مادي يّذكر. والحقيقة أن هذه إحدى أهم مآسي العمل العام التي ينبغي الحرص بشأنها، خاصة وأن الشاب المقبل على المشاركة في الحياة العامة يرى في عدد من الشخصيات العامة الذين يعرفهم شموسًا، وأن من شأن الدوران حولهم ازدياد سطوع نجمه من فرط انعكاس ضوئهم عليه. وهذا لا يحدث في غالب الأحيان. لا تنبهر بالأضواء الخادعة، ولا تنخدع بمنصب أو بشكل اجتماعي معين أو بالحرص على “أخذ صورة” تحصد لك مجموعة من الاعجابات أو المشاركات على مواقع التواصل الاجتماعي دون أن تضيف إلى رصيدك الشخصي شيئًا يذكر.

لا تستهلك وقتك في تمثيل أدوار من سبقوك من السياسيين والشخصيات الشهيرة دون بلورة نمط سياسي معين خاص بك، ويميزك عن غيرك من الزملاء والمنافسين في العمل العام. أضاع ذلك كثيرًا من المتميزين من قبلك، والذين، وإن حققوا بعض النجاحات التي تذكر، إلا أن أسمائهم في النهاية لم تكن معروفة بذواتها بل بنسبتها إلى أشخاص آخرين التصقوا بهم، وداروا طوال حياتهم في فلكهم، فلم يستطيعوا في أى لحظة “استقلال” الفكاك منهم وبلورة طابعهم الخاص بهم.

تظل النصيحة الذهبية لكل مبتدئ في العمل العام أن يستثمر وقتًا أطول في تطوير مهاراته الذاتية، وأن ينضم لحزب أو إطار سياسي منظم، وأن يُشرك الآخرين في تصعيده للقيادة فالشائع في ثقافتنا أن “طالب الولاية لا يولي”، وأن يكون مؤمنًا في أعماقه أن نبل الغاية لا يغني أبدًا عن سلامة الوسيلة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.